دارمي كوم

حبيبي الزائر الغالي العزيز
اهلا وسهلا بيك صارت قديمة نفرشلك العينين والرمش خيمة
تبين انك غير مسجل في سجلاتنا....لاتدوخ رجاءا التسجيل السريع لايكلفك سوى دقيقة واحدة
استمتع معنا وشاهد الاقسام الخفية الممتعة....اقرا ما تشاء واكتب ما تشاء...فالمنتدى منكم واليكم..مع التقدير.
اخوكم رعد الاسدي
دارمي كوم

دارمي/ابوذية/موال/شعر/شعبي/قصائد/قصص/شعر فصيح/خواطر/ /نكات

انت الزائر رقم

ادعمونا في الفيسبوك

ساهم في نشرنا في الفيسبوك

المواضيع الأخيرة

»  دارمي اعجبني
الجمعة مارس 25, 2016 9:41 pm من طرف احمد جابر

» دارمي يموت
الأحد مارس 13, 2016 2:19 pm من طرف احمد اعناج

» ترحيب
الأربعاء يناير 20, 2016 4:16 am من طرف جاسم

» فضل قراءة قل هو الله احد في ايام رجب
الأحد نوفمبر 29, 2015 9:02 pm من طرف الملکة

» بمناسبت قرب عيد رمضان المبارك
الجمعة يوليو 17, 2015 3:34 am من طرف ابوسيف العويسي

» انه بدونك طفل
الإثنين مايو 25, 2015 7:02 am من طرف شاعرة الحنين

» ابتسم
الأحد مايو 17, 2015 4:11 am من طرف كاظم موسى قسام

» غضل قراءة قل هو الله احد في ايام رجي
الأحد مايو 17, 2015 4:00 am من طرف كاظم موسى قسام

» شجرة دارمي كوم
الأربعاء مايو 13, 2015 6:31 pm من طرف abbaslife1

» دارمي وقصته الحزينه..
الأربعاء مارس 04, 2015 11:10 am من طرف احمد اعناج

» عضو جديد
السبت ديسمبر 27, 2014 11:55 pm من طرف الكفاري

» صوت الظليمه ((كعده))
الأربعاء نوفمبر 26, 2014 8:13 pm من طرف خالد محمد مهدي الحجار

» رجوع السبايا (( أربعينيَّه))
الإثنين نوفمبر 24, 2014 1:19 pm من طرف خالد محمد مهدي الحجار

» مجلس لزيد الشهيد عليه السلام
الأحد نوفمبر 23, 2014 5:32 pm من طرف خالد محمد مهدي الحجار

» ردّينه ردّينه يبن أمي ردّينه
الأحد نوفمبر 23, 2014 1:32 pm من طرف خالد محمد مهدي الحجار

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

بلاد الزوار

free counters

اجمل ما قيل في الحب

اجمل ما قيل في الحب

    أخي إبراهيم

    شاطر

    عبدالله الشادي
    عضو جديد
    عضو جديد

    ذكر
    عدد الرسائل : 19
    العمر : 20
    العمل/الترفيه : طالب
    المزاج : متونس
    الطاقة :
    0 / 1000 / 100

    الجنسية : عراقي وأفتخر
    (( تكريتي للموت ))
    تاريخ التسجيل : 27/08/2012
    28082012

    أخي إبراهيم

    مُساهمة من طرف عبدالله الشادي

    أخي إبراهيم
    بقلم: فدوى طوقان



    لا أحب إلي من ساعة آخذ فيها مجلسي من أمي، فتحدثني عن طفولة شقيقي إبراهيم رحمه
    الله، ويا له شعوراً حزيناً، يتس  رب في شعاب قلبي، حين تفتتح حديثها عن إبراهيم بهذه
    لقد بلوت في إبراهيم الحلو والمر، » : الديباجة التي تفعم نفسي بالرحمة لها، والحسرة عليه
    وتترقرق «.. ولقيت فيه من الحزن وطارقات الهموم، أضعاف ما لقيت فيه من السعادة والهناء
    في عيني كل منا دمعة، وتعتلج في صدر كل منا لوعة، ثم تشرع هي، في حديثها عن طفولة
    إبراهيم، وقد أقبلت عليها بحواسي وقلبي وروحي جميعاً.
    كان إبراهيم لعوباً إلى حد بعيد، لا يقتصد إذا أخذ بسبب من أسباب العبث واللعب، وكأنما
    كانت نفسه تضيق بإهابه فلا يهدأ، ولا يستقر. وهو في أحيان كثيرة على خلاف مع جدته
    لأمه، رحمها الله، إذ كان على وفاق مع طبيعته المرحة اللعوب، كان يعرف نزق جدته
    وضيقها بالضجة والحركة، فلا يألو جهداً في معابثتها واستفزازها، وذلك لكي تزجره وتنتهره
    برطانتها التركية التي كانت تخالطها من هنا وهناك كلمات عربية، لا تستقيم لها مخارج بعض
    حروفها فتأتي ملتوية عوجاء، تبعث إبراهيم على الضحك، ولقد تهم الجدة باللحاق به، فيفر
    منها.. ويتسلق إحدى شجرات النارنج التي تمتلئ بها ساحة الدار، وهناك يأخذ مكانه بين
    الفروع الغليظة الصلبة، وينتهي الأمر بينهما عند هذا الحد. ثم يشرع، وهو في مقعده ذلك من
    الشجرة، يترّنم بالأهازيج الشعبية التي كانت تروقه وتلذه كثيراً .
    وإنني لأمثل في خاطري، ذلك الشيخ الوقور، جدي لأبي، رحمه الله متربعاً في كرسيه،
    « والعتابا » مشتملاً بعباءته، وإلى جانبه حفيده الصغير إبراهيم، يتقارضان من الشعر والزجل
    ما يعيه قلباهما.
    وإنني لأمثل إبراهيم في خاطري كما يصورونه لي، واقفاً أمام جده يرتجل ما ينقدح عنه فكره
    الصغير يومئذ، من قول يرسله في وصف حادث حدث في البيت، فيه نكتة، أو طرافة.. وذلك
    في عبارات تكاد تكون موزونة مقفاة، يقلد فيها ما كان يستظهره في المدرسة من شعر، أو ما
    تلك التي كثيراً ما ،« سيف بن ذي يزن » و « أبي زيد الهلالي » و « عنترة « يعيه قلبه من قصص
    أصغى إلى أمه وهي تقرأها لجده لأبيه، في أمسيات الصيف الجميلة، أو في ليالي الشتاء
    الطويلة.

    ١٠
    كان ذلك التقليد من إبراهيم لأسلوب الأشعار التي يحفظها في المدرسة، ولأسلوب القصص
    التي يسمعها تُقرأ في البيت، يملأ نفس الجد غبطة، ويفعمها بهجة، فيأخذ حفيده إليه، ويحتويه
    ،«.! من أين تأتي بهذا الكلام يا إبراهيم ...» : بين ذراعيه، ويقول له بلهجة المعجب المتعجب
    ثم يأخذ كيس نقوده من جيبه، ويتناول منه قطعة، يقبضها إبراهيم، وينطلق بها مرحاً خفيفاً،
    كأنه طيف من الأطياف.
    على مثل تلك المقارضات والمساجلات، وعلى مثل هذه المحاولة الصبيانية لقول الشعر، التي
    كانت تروق الجد، بما فيها من تسلية لشيخوخته، والتي كانت تستهوي الحفيد، بما فيها من
    إشباع لفطرة شعرية كامنة فيه، نشأ إبراهيم أول ما نشأ.
    وفي هذه الأثناء أيضاً، كان إبراهيم يبعث بالعجب والطرب معاً في نفس معلمه، إذ يقف أمامه
    وقفته الخاصة كلما قام لينشد الشعر في درس الاستظهار، سواء أكان ذلك الشعر عربياً أم
    تركياً، فيلقيه إلقاء موسيقياً جميلاً، ينبعث له طرب المعلم، فيشرع، وهو المعلم الوقور، ينقر
    بأصابعه على المكتب نقرات إيقاعية، تساير ذلك الإلقاء الرائع الذي كان يزيد في روعته
    صوت خلاب آسر، عرف له في مواقفه الخطابية فيما يلي :
    حيث تلّقى إبراهيم دروسه الابتدائية تنهج في تعليم اللغة « المدرسة الرشادية الغربية » كانت
    العربية نهجاً حديثاً لم يكن مألوفاً في مدارس نابلس في العهد التركي. وذلك بفضل بعض
    المدرسين النابلسيين الذين تخرجوا في الأزهر، وتأثروا في مصر بالحركة الشعرية والأدبية
    التي كان يرفع لواءها شوقي وحافظ وغيرهما من شعراء مصر وأدبائها. هؤلاء المدرسون،
    أشاعوا في المدرسة روح الشعر والأدب الحديثة، وأسمعوا الطلاب للمرة الأولى في حياتهم
    الدراسية قصائد شوقي وحافظ ومطران وغيرهم، وفتحوا أذهانهم على أسلوب إنشائي حديث،
    فيه رونق، وفيه حياة، يختلف اختلافاً كبيراً عن ذلك الأسلوب القديم الذي كان ينتهج في
    المدارس في نابلس، والذي لم يكن ليخرج عن كونه أسلوباً تقليدياً عقيماً، لا تأثير له، ولا غناء
    فيه.
    من هؤلاء المدرسين المجددين، المرحوم الشيخ إبراهيم أبو الهدى الخماش، وكان جريئاً
    صريحاً، ذا نزعة عربية صميمة، ومبادئ وطنية قومية، يجهر بها ويبثها في النفوس عن
    طريق خطبه وتدريسه ومجالسه، وذلك في عهد، كان الجهر فيه بمثل تلك المبادئ، يوفي بأهله
    على المهالك، وقد التحق في ما بعد بالثورة العربية، تحت لواء المغفور له الملك فيصل.

    ١١
    ومن هؤلاء المدرسين أيضاً، صاحب الفضيلة، الشيخ فهمي أفندي هاشم قاضي قضاة شرقي
    الأردن في وقت مضى.
    أمضى إبراهيم أربع سنوات في هذه المدرسة، هي سنوات الحرب العظمى، وانتقل على أثر
    الاحتلال الإنجليزي مباشرة، إلى مدرسة المطران في القدس، وله من العمر أربعة عشر عاماً.
    وهنا نعرض لشخصية تَع  رف بها إبراهيم في القدس، فكان لها انطباع في نفسه في ذلك الحين،
    تلك هي شخصية المرحوم الأستاذ نخلة زريق، وكان هذا متأثراً باليازجيين، واسع الاطلاع
    على الآداب الإسلامية العربية، شديد التعصب للغة، شديد الوطأة على كل عربي متفرنج
    يتهاون في لغته أو عربيته، وكان ذا شخصية قومية، لابد من أن تترك في أعماق من تعرف
    بها، أثراً منها.
    في القدس: فتح عيون « الكلية الإنكليزية » كان المرحوم نخلة زريق مدرساً للغة العربية في
    طلابه على كنوز الشعر العربي، وحببها إليهم.
    يأخذ من شقيقه أحمد - وكان طالباً في الكلية « المطران » ولقد كان إبراهيم، وهو في مدرسة
    الإنكليزية - منتخبات الشعر القديم والحديث، مما يختاره المرحوم نخلة زريق لطلابه،
    فيستظهرها جميعاً، وعن طريق أحمد، تعرف إبراهيم بذلك المدرس الأديب، فكانا يزورانه معاً
    في بيته الذي كان مح  جة العلماء والأدباء في القدس، ويصغي إليه وهو يتدفق في حديثه عن
    الأدب والشعر، والعرب والعروبة.. مما كان له شأن في إيقاظ وعي إبراهيم على مؤثرات
    أدبية وقومية أخرى.
    وإذ أتم أحمد دراسته في الكلية الإنكليزية، وتوجه إلى الجامعة الاميركية في بيروت، ظلت تلك
    الأسباب موصولة بين إبراهيم وبين المرحوم نخلة زريق، ولكن لمدة قصيرة، إذ توفي الثاني
    . سنة ١٩٢٠
    في هذه الفترة من الزمن، كان إبراهيم يحاول أن يقول الشعر الصحيح، فتلتوي عليه مسالكه،
    ولا يفلح فيه، إذ لم يكن قد درس علم العروض بعد.
    وفي العطلة المدرسية، يعود أحمد من بيروت، ويلتقي الشقيقان في نابلس وقد حمل أحمد
    لإبراهيم، ما ح  صله هناك من علم العروض، ويشرح له تفاعيل الأبحر الشعرية ويوقفه على
    أصول القوافي، فيستوعب الشاعر المنتظر كل أولئك جميعاً، وكأنما فُتح له فتح في دنيا الشعر
    التي كان يتشوق إليها ويعقد آماله ومطامحه عليها.

    ١٢
    وعلى أثر ذلك، يبدأ إبراهيم يقرزم الشعر قرزمة، ويقوله في المناسبات التي تعرض له،
    والأحوال التي تمر عليه في مدرسة المطران مما يوحي به الجو المدرسي، بما فيه من جد
    وهزل.
    وفي مجموعة أشعاره التي نظمها خلال عاميه الأخيرين في مدرسة المطران، نحس
    بالشاعرية الكامنة التي كانت تأخذ عدتها، لتستعلن بعد حين قصير في شعره القوي، كما نلمس
    تلك الروح الوطنية المشتعلة التي أُشربها منذ الصغر، والتي أذابها في ما بعد، في شعره
    الوطني.
    وفي سنة ١٩٢٣ نشر إبراهيم لأول مرة إحدى قصائده، ويقول إبراهيم بهذا الشأن:
    لعلها أول قصيدة نُشرت لي في صحيفة. رحم الله عمي الحاج حافظ!. قرأها، فأبدى إعجابه «
    وطلب إلي أن أبيضها لينشرها في الجريدة! في الجريدة؟. شيء « على سبيل التشجيع » بها
    يطيش له العقل، فأسرعت إلى تلبية طلبه، وعنيت بكتابتها قيراطاً، وبوضع اسمي تحتها ثلاثة
    أتضع اسمك هكذا: إبراهيم طوقان؟ لا » : وعشرين قيراطاً... ثم أتيت بها إليه، قال رحمه الله
    يا بني! يجب أن تضع اسم الوالد أيضاً، إبراهيم عبدالفتاح طوقان، اعترافاً بفضله عليك، وبره
    أدب أدبني به عمي رحمه الله، لا أعلم أني وّقعت اسمي بعد ذلك إلا تذكرت قوله «... بك
    ». وعملت به في كل أمر ذي بال أردت نشره
    ولقد كان من أكبر الأسباب التي أعانته على أن يقول الشعر فيجيده بالقياس إلى صغر سنه،
    هو كثرة حفظه للشعر المنتخب، واحتفاله الكبير بالقرآن الكريم، فقد كان كثير التلاوة له،
    عميق النظر فيه. وأما ذلك الاحتفال منه بكتاب الله، فإنه يرجع بدواعيه وأسبابه إلى بيئة في
    البيت، يعنى أصحابها بتنشئة أطفالهم على تلاوته والتشبع بروحه. ولم ينفك إبراهيم منذ صغره
    يقرأ القرآن، ويطيل التأمل فيه، حتى أصبح له ذلك ديدناً، لا يعوقه عنه عائق، ولا يصرفه
    عنه تقلبه في مختلف معاهد العلم الأجنبية في ما بعد، ولم تكن تلاوة القرآن الكريم تلاوة
    سطحية عابرة، بل كان يتجه إليه بقلبه وروحه، ويحس له في نفسه وقعاً عجيباً، وأثراً بعيداً،
    فيهزه إعجازه هزاً، وتفعل فيه بلاغته فعل السحر، ويستولي عليه خشوع عميق، يصرفه عن
    كل ما يحيط به.
    ١٩٢٣ وانتقل إلى الجامعة - انتهى إبراهيم من تحصيله في مدرسة المطران سنة ١٩٢٢
    الأميركية في بيروت، وهنا تبدأ أخصب مراحل حياته الدراسية، أو أكثرها ألواناً.

    ١٣
    فها هو في بيروت، يظله أفق أدبي واسع لا عهد له بمثله في فلسطين، هنالك الأدباء
    والشعراء، وهنالك الدنيا براقة خلوب.. وهنالك بعد ذلك، السهم الذي كان ينتظره، منجذباً عن
    وتره إلى آخر منزع، يتربص به الفرص، لينفذه في قلبه الذي لم يكن قد م  سه الحب بعد..
    ،« سعيد تقي الدين » في هذه الجامعة، يع  رفه شقيقه أحمد بأحد أصدقائه من الطلاب، وهو
    وسعيد، من أولئك الذين يتذوقون الشعر، ويميزون بين صحيحه وزائفه تمييزاً صائباً، فيلمح
    هذا في شعر إبراهيم بارقات وصوراً شعرية، تلوح من هنا، وتستتر من هناك. وتساند أحمد
    وصديقه سعيد، وبدأا يوجهان إبراهيم التوجيه الصحيح في عوالم الشعر ودنياواته الرحيبة
    الجميلة.
    وفي عامه الدراسي الثاني في الجامعة، وكانت شاعريته قد بدأت تزخر وتمتلئ، لتنبثق عن
    معينها بعد أن أخذت عدتها من هذه الصناعة الدقيقة، صناعة الشعر، نظم إبراهيم قصيدته في
    فكانت أول قصيدة لفتت إليه الأنظار في لبنان. « ملائكة الرحمة » الممرضات، أو
    مرض إبراهيم، واضطره ذلك إلى العودة إلى نابلس، قبل انتهاء «1924» ففي هذا العام
    « المعرض » الفصل الدراسي الأول، وفي أثناء مرضه نظم تلك القصيدة، ونشرها في جريدة
    التي كانت تصدر يومئذ في بيروت فإذا العيون تتطلع إلى هذا الشاعر الناشئ، الطالب في
    وعلقت عليها بقولها: « المعرض » عن « سركيس » الجامعة، وإذا بالصحف تتناقلها، نقلتها مجلة
    « التمدن » وطُلبت القصيدة من قبل مجلة ،« ولعله أول من نظم شعراً عربياً في هذا الموضوع »
    ولو كان كل ما » : في الأرجنتين، وأُهديت إليه المجلة سنة كاملة، وكان مما علقته عليها قولها
    ينظمه شعراؤنا في هذا الباب من هذا النوع، لكان الشعر العربي في درجة عالية من القوة
    ونقلتها جرائد ومجلات أخرى، وكلها تُطري الشاعر، وتشجعه. « والفتوة
    أما هذه القصيدة، فهي وإن تكن قد قيلت في موضوع الممرضات، غير أن قسماً كبيراً منها،
    كان في وصف الحمام، تلك الطيور الوديعة، التي كان يغرم بها إبراهيم، ويعنى باقتنائها
    وتربيتها، أيام صباه، وتحدثني أمي، كيف كان وهو طفل ينجذب إلى هذا الطائر انجذاباً
    خاصاً، ويتأمله مح  وماً رائحاً غادياً، وكيف كان إبراهيم إذا وقف كل صباح ليغتسل على
    حوض الماء الذي يقوم في صحن الدار، أطال هناك الوقوف مستغرقاً في تأمله لأسراب
    الحمام، وقد حفت بالماء تغتسل وتعبث بريشها، فلا يزال على وقفته تلك، إلى أن ينبهه والده
    إلى إبطائه على المدرسة.

    ١٤
    قد ،« ملائكة الرحمة » وهكذا يمضي إبراهيم في طريق النظم، وكانت نشوة توفيقه في قصيدة
    فعمته بالزهو والخيلاء كما يقول، إلى أن تلقاه درساً أليماً، أوحى إليه يومئذ بقصيدة عنوانها
    وفيها تنعكس حالته النفسية الثائرة، التي ترجع بأسبابها إلى الدرس « عارضي نوحي بسجع »
    الأليم الذي تلقاه.
    وسمعت كثيراً من ،« ملائكة الرحمة » كنت قد توفقت في قصيدة » : يقول إبراهيم بهذا الصدد
    كلمات الإعجاب بها، فخُيل إلي أن كل قصائدي في المستقبل، ستكون مثلها مدعاة للإعجاب!؟
    وأخذت في نظم قصيدة غزلية، وأنا مفعم بزهوي وخيلائي، وأخذت أغوص على المعاني،
    وأتفنن بالألفاظ!!. وكان يشرف على نشأتي الأدبية اثنان من الزبانية هما أخي أحمد، وسعيد
    تقي الدين، فهرعت إليهما لأسمع إعجابهما وأنتشي به، وتلوت عليهما القصيدة، وظفرت
    أخي أنا لا أفهم القصيدة جيداً حين » : بالإعجاب!... وتركاني، وعادا إلي بعد قليل. قال أحمد
    فناولته القصيدة، ودنا رأس سعيد من رأس أحمد، وشرعا ،« تتلى علي، أريد أن أقرأها بنفسي
    في قراءة صامتة، ثم كانت نظرات تبادلاها، أحسست منها بمؤامرة ..وإذا بالقصيدة تُم  زق،
    قال سعيد: ،« هذه قصيدة سخيفة المعنى، ركيكة المبنى » : وإذا بها تُنسف في الهواء. قال أحمد
    قال سعيد .«! كلها تكلف وحذلقة » : قال أحمد !« ليس من الضروري أن تنظم كل يوم قصيدة »
    لا بأس بها، لكنها لا شيء بالنسبة إلى قصيدة ملائكة الرحمة، اعمل كل » : ليه  ون أثر الصدمة
    قال أحمد... وقال سعيد.. ولكن كان رأسي بين ».. سنة قصيدة مثل ملائكة الرحمة، وكفاك
    أقوالهما كأنه في دوار، ولم أتمالك عن البكاء، وتركتهما حانقاً ناقماً، وبعد ساعة كان سعيد
    .« عارضي نوحي بسجع » : فوق رأسي - وأنا لا أدري - يتلو أثر تلك الصدمة في قصيدتي
    فاختطفها، وعاد إلي بها في الصباح، وعليها الجملة الآتية بقلم عمه الشيخ أمين تقي الدين:
    روح شاعرة، ليتها في غير معاني اليأس، فالشباب واليأس لا يلتقيان، أما النظم، فيبشر »
    ». بمستقبل فيه مجيد
    قسوة وعنف، أفاداني أن أكون مع نفسي بعدئذ قاسياً عنيفاً، أمزق القصيدة حين أشعر «
    بالتكلف يدب فيها، وأن أقف موقف الناقد الهدام، أحطم شعري بيدي، أو أبديه وأنا راض عنه،
    ضامن رضى قارئه أو سامعه. أحمد وسعيد ليسا من الزبانية، إنهما ملكان كريمان!. جزاهما
    ». الله عني خيراً
    ونعود إلى ما بدأنا به من الحديث عن أيام إبراهيم في بيروت فنقول: مضت عليه سنوات
    ثلاث في الجامعة، بلغ في نهايتها الثانية والعشرين، وقد قعد به المرض خلالها عن إتمام
    دراسته في الصف الأول العلمي، فانتقل إلى نابلس، ثم عاد في العام الذي تلا ذلك إلى

    ١٥
    الجامعة. وكان في هذه السنوات الثلاث لا ينقطع عن قول الشعر، وفي سنة ١٩٢٥ نشرت له
    في مصر نشيداً وطنياً لتحية المجاهد الأمير عبدالكريم الريفي. فلما اطلع « الشورى » جريدة
    الشاعر الأستاذ خير الدين الزركلي على النشيد قال:
    ». إن صدق ظني، فإن صاحب هذا النشيد سيكون شاعر فلسطين «
    ومن عجب، أن يظل قلب إبراهيم خالياً من المرأة حتى ذلك الحين، ولقد كان أصدقاؤه في
    أنت شاعر ولكن بلا شعور، أين وحي » : الجامعة يعجبون لذلك ويقولون له على سبيل المزاح
    ».؟ المرأة في شعرك
    في نهاية تلك السنوات الثلاث، بلغ إبراهيم الثانية والعشرين كما ذكرنا من قبل، وهنا مس
    الحب قلبه.. ولكن هل كان مس ذلك الحب رفيقاً رحيماً؟ كلا، بل كان مساً عنيفاً ملهباً أشعل
    روحه وأيقظ حسه، وأرهف نفسه.
    ففي سنة ١٩٢٦ ، طلعت في الجامعة في بيروت، فتنة تمثلت في صورة فتاة فلسطينية طالبة
    هناك، فأحيت قلوباً وسحقت قلوباً... وتورط إبراهيم، ودخل المعركة، وابتلى حسنات وسيئات،
    أما السيئات، فليس هذا بموضع تدوينها، وأما الحسنات، فتنحصر في الطريق الأدبي الجديد
    الذي نهجه، والاستعداد الكبير للسير في هذا الطريق.
    صار قوي الملاحظة، حاضر العاطفة، متوفز الأعصاب، صار كثير المطالعة، صياداً
    للمعاني، بسيط العبارات، سهل الفهم، مصيباً.
    تلك هي حسنات ذلك الحب، على حد تعبيره.
    ونشرت القصيدة في إحدى الصحف في بيروت، فنطقت « في المكتبة » ونظم في فتاته قصيدته
    بألسنة الكثيرين من الطلاب والأساتذة أيضاً.. ومنذ ذلك الحين، أخذ إبراهيم يضرب على قيثار
    الغزل، فيطرب سماعه، ويعجب قراءه. وقد أحبته فتاته بمقدار ما أحبها، ثم ضرب الدهر
    بينهما، فكانت نهاية حبه مأساة، خّلفت في قلب الشاعر جرحاً، كان يندمل حيناً، وتنكأه الذكرى
    حيناً آخر، فينعكس ذلك كله في شعره، كما تنعكس صورة على صفحة المرآة المصقولة.
    نكتفي بهذا القدر من قصة ذلك الحب، الذي كان له أكبر الأثر في إرهاف حسه، والسمو
    بشاعريته إلى سماء الشعر الصادق، الذي ينبثق من ذات النفس، وينبعث من أعماق الروح.

    ١٦
    ونلتفت الآن إلى بعض الأجواء الأخرى، التي كانت تحيط بإبراهيم في أعوامه التي قضاها
    طالباً في الجامعة.
    لقد احتضنت إبراهيم في الجامعة وخارجها، بيئة شعرية أدبية لم تكن لتحتضنه لو لم يكن في
    بيروت. أما في الجامعة، فقد كان هناك رعيل من أقرانه الطلاب، امتاز بصبغته الشعرية،
    وحافظ جميل « صريع الغواني » وتعاطيه لقول الشعر الجزل. من ذلك الرعيل كان عمر فروخ
    وكان تجاوب .« العباس بن الأحنف « وإبراهيم « ديك الجن » ووجيه بارودي « أبوالنواس »
    الذوق والمشرب قد وصل بين هؤلاء بأسباب المحبة والأخوة. وكانت تجري بين حافظ ووجيه
    وإبراهيم، مساجلات شعرية عديدة، تناقلها الطلاب وأحبوها، غير أن هذه المساجلات لم تكن
    لتخرج عما توحي به طبيعة الشباب الملتهب، المندفع وراء الحياة..
    هذا في الجامعة، وأما خارجها، فقد كانت هنالك مجالس الأدب العالي والشعر الرفيع، وكلها
    تفتح لإبراهيم صدرها، وتوليه من عنايتها واهتمامها، وتعقد بينه وبين أصحابها صلة الود.
    وحسبي أن أذكر من أصحاب تلك المجالس الأدبية الرفيعة المرحوم الشيخ أمين تقي الدين
    ». الأخطل الصغير » والمرحوم الأستاذ جبر ضومط، والشاعر بشارة الخوري
    أصبح إبراهيم شاعر الجامعة، كما لقبته صحف بيروت، ولم يقتصر في ذلك العهد على الشعر
    الغزلي فحسب، بل كانت أغاريده الوطنية الفياضة بالعواطف الصادقة، والإيمان الوطني
    القوي، تسير جنباً إلى جنب مع أغاريده الغزلية، وهذان الوتران كانا من الأوتار التي امتاز
    إبراهيم بالضرب عليها.
    وفي سنة ١٩٢٩ ، نال شهادته من الجامعة، ليخوض بحر الحياة العملية المزبد المتلاطم.
    معلم، معلم، معلم، هذه هي الكلمة التي كان يسمعها تتردد على شفاه الكثيرين من الطلاب
    أبعد هذا العناء والكد، يختار هؤلاء التعليم » : الخريجين، يوم توزيع الشهادات، فيقول لنفسه
    ». مهنة؟. ألا ساء ما يفعلون، ما أقصر مدى طموحهم
    أما هو، فقد كانت المفاوضات جارية بينه وبين إحدى دور الصحافة في مصر، وتوشك أن
    تنتهي على أحسن ما يتمناه، فهذه مهنة تلائم ذوقه على الأقل، وتسير مع اختصاصه، سيكون
    محرراً في مجلة كبرى في القاهرة، وناهيك بالقاهرة من مدينة فن وأدب وجمال، وأي شيء
    تصبو إليه نفس الأديب الناشئ الطموح، ولا يجده في القاهرة؟ المكتبة الكبرى، الأزهر،
    صحافي، صحافي.. «.! يا مصر، لله مصر » ، الصحف، الشعراء، الكتاب

    ١٧
    هذا ما كان إبراهيم يحدث به نفسه في أيامه الأخيرة في الجامعة.
    مشى إبراهيم إلى سرير المستشفى، وأراني حتى ،« البكالوريا » من المنصة التي منح عليها
    الآن، لم أُشر إلى أنه كان يشكو ألماً في معدته منذ أيام التلمذة في مدرسة المطران في القدس،
    وكثيراً ما أقعده ذلك عن مواصلة التحصيل، إلى أن يشفى فيعود إليها، وكثيراً ما حمله بعد
    ذلك، على الاستقالة من وظائفه التي تَقّلب فيها.
    أبلّ إبراهيم من مرضه، وكان والده إلى جانبه في هذه الآونة، إذ قدم بيروت ليشهد حفلة
    الجامعة، ثم توجه الاثنان إلى مصر ليستشيرا الأطباء هناك، وليبحث إبراهيم في شغله
    الصحافي.
    وفي مصر ينفذ البرنامج، وتتجه صحة إبراهيم اتجاهاً حسناً، وبعد بضعة أسابيع يعود الوالد
    بولده إلى نابلس، قرير العين، ناعم البال، على أن يعود إبراهيم للشغل في مصر بعد أن
    يمضي مع ذويه أياماً قليلة.
    غير أن الأم تأبى عليه ذلك، وتحكم أن يظل ولدها قريباً منها، وتدخل العاطفة في الموضوع..
    زد على ذلك أن أباه لم يكن راغباً في شغله في مصر.
    وكانت هنالك ظروف أخرى، شاءت أن يلغي إبراهيم برنامجه الصحافي ويضرب بهذا الأمل
    المنشود عرض الحائط، ولو لمدة سنة.
    وفي هذه الآونة، كانت وظيفة معلم اللغة العربية في مدرسة النجاح الوطنية بنابلس شاغرة.
    فيأتي إلى إبراهيم والده، يقنعه بالموافقة على التدريس هناك، فهذه خدمة وطنية مشكورة،
    أضف إلى ذلك أن المسؤولين في المدرسة، سيجعلون ساعات العمل بحيث لا يرهقونه، ثم إن
    هذا العمل في بلده، وإنه لون من ألوان الاختبار يقطع فيه إبراهيم جزءاً من أوقات الفراغ
    الطويلة المملة.
    ويكون رد إبراهيم على أبيه بأنه لا يستطيع أن يتصور نفسه معلماً، فهذا عمل لم يخلق له،
    وسيكون فيه خائباً لا محالة، ولكن أباه يبين له أنه سيعّلم في موضوعه، فلا يخرج عن نطاق
    ما خُلق له.

    ١٨
    وإذا بإبراهيم ذات صباح أمام فريق من الطلاب، على مقاعدهم الخشبية، وإذا به يكتب على
    على هذه الجملة، فيقول « كان الناقصة » ثم يقول لأحد التلاميذ: أدخل ،« الطقس جميل » : اللوح
    ». كان الطقس جميلاً » : التلميذ
    نعم.. كان الطقس جميلاً، فتع ّ كر، وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن..
    زاول إبراهيم مهنة التعليم في هذه المدرسة سنة واحدة، وكان له تأثير في بعض طلابه من
    الصفوف العالية، فحبب إليهم الشعر والأدب، ولا أزال أذكر ذلك اليوم الذي أقبل فيه يحدثنا
    مبتهجاً، بأن بعض تلاميذه النجب، قد بدأوا ينظمون الشعر على يده.
    كان إبراهيم ينظم الشعر الوطني، فيرسله «١٩٣٠ - ١٩٢٩» خلال هذا العام الدراسي
    ». الثلاثاء الحمراء » صرخات حافزة، وناراً مشتعلة، ومن أشهر قصائده في ذلك الحين
    ففي حزيران سنة ١٩٣٠ صدر حكم الإعدام على شهداء فلسطين الثلاثة، وذلك على أثر ثورة
    سنة ١٩٢٩ . وقد ض  ج أهل البلاد لهذا الحكم، وقدموا احتجاجاتهم ورجاءهم، فلم يغنِ ذلك عنهم
    شيئاً.
    وفي نهار الثلاثاء، السابع عشر من حزيران سنة ١٩٣٠ ، كان التكبير على المآذن، وقرع
    النواقيس في الكنائس، يتجاوب صداهما في أرجاء فلسطين قاطبة، إذ في ذلك النهار، نُفّذ حكم
    الإعدام بالشهداء الثلاثة، في ثلاث ساعات متوالية، فكان أولهم فؤاد حجازي وثانيهم محمد
    ثانيهم، « عطا الزير » جمجوم، وثالثهم عطا الزير، وكان من المقرر رسمياً أن يكون الشهيد
    حطم قيده، وزاحم رفيقه على الدور حتى فاز ببغيته.. « جمجوماً » ولكن
    وهنا يأخذ الشاعر ريشته ليصور هذا اليوم المخضب بالدماء أروع تصوير، وليسجل في سفر
    ». الثلاثاء الحمراء » الشعر الوطني الخالد، مصارع أولئك الشهداء، فتكون قصيدة
    وكان يوم حفلة مدرسة النجاح السنوية في نابلس، ولم يكن قد مضى على تنفيذ حكم الإعدام
    بهؤلاء الشهداء أكثر من عشرة أيام، فالنفوس لا تزال ثائرة، والعواطف لا تزال مضطربة،
    وذُهل عن الجمهور، وشعر كأنما ..« الثلاثاء الحمراء » وفي تلك الحفلة، ألقى إبراهيم قصيدته
    خرج من لحمه ودمه، فكان يلقي بروحه وأعصابه، فما انتهى حتى كان بكاء الناس يعلو
    لو أن » : نشيجه، ثم تدفقوا خارج القاعة في حالة هياج عظيم حتى لقد قال بعضهم يومئذ

    ١٩
    يشير بذلك إلى فرط الحماس .« إبراهيم ألقى قصيدته في بلد فيه يهود، لوقع ما لا يحمد عقباه
    الذي أثارته هذه القصيدة في أولئك السامعين.
    لم تكد تبدأ عطلة العام الدراسي الأخيرة لسنة ١٩٣٠ حتى كانت الجامعة الأميركية في
    بيروت، قد عرضت على إبراهيم، بواسطة الأستاذ أنيس الخوري المقدسي، التعليم في قسم
    الأدب العربي في الجامعة.
    كان مجرد فكرة العودة إلى بيروت، وآفاقها الرحيبة السحرية، كفيلاً بأن يجعل إبراهيم يوافق
    على مزاولة التعليم مرة أخرى، وعن طيب خاطر.. فلقد كان حبه لهذا البلد، ولأهله الكرام،
    حباً متمكناً من نفسه، إلى حد بعيد، بل لقد كانت بيروت عنده بمنزلة الوطن الثاني له، يرى
    في أهلها أهله، وفي عشيرتها عشيرته، وكيف لا يكون لهذا البلد في نفس إبراهيم مثل هذا
    المكان الرفيع، وفيه تفتحت زهرة شبابه أول ما تفتحت:
    أولُ عهدي بفنون الهوى
    بيروتُ، أَْنع  م بالهوى الأولِ..
    وانتقل إلى الجامعة الأميركية، فد  رس فيها عامين، نظم خلالهما أروع قصائده التصويرية، مما
    يدخل في باب الموضوعيات من شعره. ولإبراهيم في هذا الباب قصائد فذة، تفيض بالصور
    الحية الناطقة.
    ولقد عادت المرأة، أو بالأحرى، عاد الجمال يح  رك قلب إبراهيم في بيروت، فيوحي إليه بأرق
    الشعر وأجزله. ومسارح الجمال في بيروت مختلفة الألوان، متعددة الصور، وهي هناك تكاد
    تكون مكشوفة النقاب لا تختبئ وراء حجاب. وإبراهيم نشأ في بلد متمسك بتقاليده وعاداته أشد
    التمسك، فهو يسدل دون المرأة ستاراً كثيفاً نسجه. ومن هنا، كانت بيروت مهبط وحيه في ما
    قاله من شعر في المرأة.
    وفي غادة أشبيلية أندلسية، كانت في بيروت، نظم إبراهيم في ما نظم من شعر غزلي في ذلك
    الحين، عدة قصائد، وهو يعترف بأن انجذابه إلى هذه الغادة، قد لا يكون بدافع جمالها، وخفة
    روحها، بمقدار ما كان يتق  راه في خلقتها من الدم العربي وما كان يلاحظه من الفن العربي في
    ثيابها ورقصاتها.

    ٢٠
    وهو ،« لويس نيكل البوهيمي » وأثناء إقامته في بيروت قدم الجامعة الأميركية الدكتور
    مستشرق تخصص في الغزل العربي، فكان يتنقل بين عواصم الشرق والغرب، باحثاً في
    مكاتبها الكبرى عن الكتب المتعلقة بموضوعه، وكان من نتيجة ذلك أن ترجم إلى اللغة
    لابن حزم الأندلسي، وقد تعرف إبراهيم بالدكتور نيكل عن « طوق الحمامة » الإنكليزية كتاب
    طريق صديقه الأستاذ أنيس فريحة، وكان هذا المستشرق، حين تعرف بإبراهيم، قد بدأ
    لابن داود الأصفهاني، وتعليق حواشيه وتنظيم فهارسه. فلما رأى « الزهرة » بتصحيح كتاب
    مدى اطلاع إبراهيم على الشعر القديم دعاه إلى العمل معه وأشركه في تصحيح الكتاب
    وطبعه، وباشرا العمل معاً في اليوم الثاني للمقابلة الأولى، وفي بضعة شهور أنجزا عملهما
    فيه حيث طُبع الكتاب سنة 1932 ، ويقول الدكتور نيكل بهذا الشأن في رسالة خاصة تلقيتها
    ،« غادة أشبيلية » في مطعم نجار، ونظم إبراهيم قصيدته « الزهروية » ثم أقمنا حفلة ...» : منه
    ...». وكانت تلك الأيام من أسعد أيامه وأيامي
    وفي نهاية العام الثاني لتدريسه في الجامعة، قدم إبراهيم استقالته من العمل، وعاد إلى
    فلسطين، حيث زاول مهنة التعليم في المدرسة الرشيدية في القدس. وفي هذا الحين، ضاق
    وقد « الشاعر المعلم » بعمله أشد الضيق، فنّفس عن الكرب الذي لحقه من هذه المهنة بقصيدته
    صاغها في قالب فكاهي عذب، صور فيه ما كان يكابده من مشقة التعليم، والجهد الذي كان
    يبذله، والعناء الذي كان يلاقيه من جراء ذلك كله.
    وفي أواخر سنة ١٩٣٢ ، وقبل انتهاء الفصل الدراسي الأول، ألح عليه السقم، ولازمته العلة،
    فانقطع عن التدريس، وظل طريح الفراش، إلى أن اشتدت وطأة المرض، فأشار الأطباء
    بضرورة نقله إلى المستشفى، وإجراء عملية جراحية في معدته، ولقد كان من خطورة شأن
    هذه العملية، أن نفض الجراح يديه من نجاة مريضه من الموت بعدها، لما كان عليه إبراهيم
    فقد أُجريت العملية بالرغم «! الله في السماء، والأمل في الأرض » من النحول والضعف. ولكن
    من الشك الكبير في نجاته من خطرها. وتشاء حكمة الله، أن ينجو إبراهيم من الموت المحقق،
    ولقد أقر الطبيب سلامة مريضه كانت من معجزات الله، لا شأن لفن الطب فيها، ولا لحذق
    الطبيب، إذ كانت حال إبراهيم فوق هذين كليهما.
    المولود » وتماثل للشفاء، وحانت الساعة التي سيغادر فيها المستشفى، فشيع الطبيب هذا
    كما كان يسميه، مهنئاً والديه به، وخرج إبراهيموفي جيبه ورقة عليها هذه الأبيات: ،« الجديد
    إليك تو  جهتُ يا خالقي

    ٢١
    بشكرٍ على نعمة العافيه
    إذا هي وّل ْ ت فمن قادر
    سواك على ردها ثانيه
    وما للطبيب يد بالشفاء
    ولكّنها يدك الشافيه
    تبارك َ ت، أن َ ت معيد الحياة
    متى شئ َ ت في الأعظم الباليه
    وأن َ ت المف  رج كرب الضعيف
    وأن َ ت المجير من العاديه
    بلى، لقد كان إبراهيم يؤمن بالله إيماناً عميقاً صادقاً، وقد ابتلاه ربه بالحرمان من نعمة العافية،
    وهو في ريعان الشباب، فما وجده إلا صابراً متفائلاً، وإنك لتتصفح ما خلفه من مآثره الأدبية،
    فتراه قد عرض فيها مراراً عديدة لذكر مرضه وسقمه، ولكنه عرض مرح مبتسم، لا روح
    للتشاؤم فيه ولا أثر لشكوى الزمان، إذ كان المرح والابتسام خلقة في إبراهيم، فلم يكن لينظر
    إلى الدنيا إلا من وجهها الضاحك المشرق، وانظر إلى هذه الأبيات لترى كيف كان يواجه
    تنكر العافية :
    وطبيبٍ رأى صحيف َ ة وجهي
    شاحباً لونُها، وعودي نحيفا
    قال: لابد من دمٍ لك نُعطي
    ه نقياً، ملء العروق عنيفا
    لك ما شئ َ ت يا طبيب ولك  ن
    أعطني من دمٍ يكون خفيفا ..
    ضعف في البنية شديد، قد يبعث في غير إبراهيم التشاؤم والضجر، ولكنه هو، القوي بروحه،
    أعطني من دم يكون » : المرح بطبيعته لا يدع النكتة تفلت منه وهو في أشد حالات المرض
    ».. خفيفا

    ٢٢
    غادر إبراهيم المستشفى موفور الصحة، وعاد إلى بلده بعد أن قدم استقالته إلى المدرسة
    الرشيدية في القدس، وقد عزم عزماً أكيداً على عدم العودة إلى هذه المهنة، مهنة التعليم، مرة
    أخرى.
    أمضى بعد ذلك عامين في نابلس، خدم خلالهما مدة في دائرة البلدية، وفي هذين العامين، نظم
    والتي كان يقبل عليها « الدفاع » إبراهيم مقطعاته الوطنية التي كان يوالي نشرها في جريدة
    القراء بشغف عظيم، لما فيها من تصوير صادق لوضع فلسطين الخطير، وتفكك الأمة المريع،
    في تلك الفترة من الزمن.
    وفي سنة ١٩٣٦ استلم إبراهيم عمله الجديد في القسم العربي في إذاعة القدس، وقبل الحديث
    عن أعماله هناك، أوثر أن أقف عند شعره وقفة قصيرة.
    إذا قرأت شعر إبراهيم، تجلت لك نفسه على حقيقتها، لا يحجبها عنك حجاب، ذلك أنه كان
    ينظر نظراً دقيقاً في جوانب تلك النفس، ثم يص  ور ما يعتلج فيها من عواطف وخلجات،
    كأصدق ما يكون التصوير، ومما كان يعينه على البراعة والصدق في التعبير، علم غزير
    بفنون الكلام وأساليبه، وهذا العلم كان نتيجة لاطلاعه الواسع على المآثر الأدبية الرفيعة، من
    قديمة وحديثة، إلى جانب القرآن الكريم، والحديث الشريف.
    فقد كان يرى فيه دنيا تغمرها الحياة ،« الأغاني » وما أعرف كتاباً أدبياً كان أحب إليه من كتاب
    من كتاب أدبي توفرت فيه المادة، وتنوع الأسلوب، « بالأغاني » على اختلاف ألوانها، وناهيك
    واتسع فيه مجال القول في الأخبار والنوادر الأدبية على اختلافها.
    من « المتنبي » من أحب كتب الأدب العربي إلى إبراهيم فقد كان « الأغاني » وكما كان كتاب
    من ناحية أخرى من أحب الشعراء إليه وأقربهما من قلبه، « والعباس بن الأحنف » ، ناحية
    من « العباس » قد ساعده في الحصول على نسختين تصويريتين لديوان « نيكل » وكان الدكتور
    إستنبول إذ كان في نية إبراهيم - لو أمهله الزمن - أن يخرج هذا الديوان في طبعة جيدة
    أنيقة.
    في الشعراء المعاصرين فهو سيد المكان في قلب إبراهيم، يمكنك أن تُق  سم شعر « شوقي » وأما
    إبراهيم إلى ثلاثة أقسام :الغزليات، والوطنيات، والموضوعيات، وهذه الأخيرة تمتاز بعمق
    « الفدائي » و « الشهيد » الفكرة، ودقة التصوير، وقد حّلق فيها إلى آفاق الشعر العالي، هنالك
    وهي « مصرع بلبل » وغيرها. ولعل واسطة العقد في موضوعياته، قصيدة » الحبشي الذبيج » و

    ٢٣
    فتح جديد في القصة الشعرية، نلمس فيها تأثر إبراهيم بالأدب الغربي دون أن يفقد مميزات
    خياله الخاص، وتعبيراته الشعرية الخاصة.
    ينقلنا إبراهيم بدقة وصفه، وروعة تصويره إلى ما يثور في نفس ،« الشهيد » وفي قصيدة
    الشهيد من عواطف، واستقتال في سبيل الواجب الأسمى، لا يبتغي من وراء ذلك ذيوع اسم
    ولا اكتساب صيت، وإنما هو عنصر الفداء، وجوهر الكرم، صيغت منهما نفس الشهيد، فهان
    عندها الموت في سبيل الله والوطن.
    وهي صورة حية ناطقة، يرسم فيها إبراهيم « الحبشي الذبيح » ومن موضوعياته الرائعة قصيدة
    الأليمة حين يذبح ويأخذ يصفق بجناحيه، ويجري من هناك وهناك، « الديك الحبشي « حالة ذلك
    مزو  ر الخطى، كأنما هو يلحق بالحياة التي استُلبت منه، ولقد أوحى إليه بهذا الموضوع
    العنيف، وقوفه يوماً برجل على جانب الطريق في بيروت يذبح ديوكاً حبشية يعدها لرأس
    السنة، وإذا بالنفس الشاعرة يروعها أن لا يقوم السرور إلا على حساب الألم، وإذا بها تفيض
    بأقوى الشعر التصويري الحي.
    ونلتفت الآن إلى إبراهيم شاعر الوطن، الذي سجل آلام فلسطين وآمالها خلال الانتداب
    الإنكليزي، كما لم يسجله شاعر فلسطيني من قبل.
    ثم يوم ،« الثلاثاء الحمراء » انظر إليه وقد خّلد ثورة فلسطين وشهداءها سنة ١٩٢٩ في قصيدة
    كل ذلك في ،« الشهيد » عاد في الذكرى الرابعة لهؤلاء الشهداء فخلدهم مرة أخرى في قصيدة
    شعر لاهب حماسي، فلا بكاء ولا استخذاء، وإنما هي صرخات مدوية مجلجلة، تحفز الهمم،
    وتثير الشعور بالعزة والإباء.
    وأما بيع الأرض، فلم يزل إبراهيم يصور لقومه الخطر الذي ينتظر البلاد من وراء البيع، ولم
    يزل يفتح عيونهم على الشر الذي عم واستحكم من جراء ذلك:
    أعداؤنا منذ أن كانوا صيارفةً
    ونحن منذ هبطنا الأرض ز  راع
    يا بائع الأرضِ لم تحفل بعاقبة
    ولا تعّلم َ ت أن الخصم خَداع
    لقد جني َ ت على الأحفاد وا لهفي!

    ٢٤
    وهم عبيد.. وخُدام.. وأتباع
    وغ  رك الذهب الل  ماع تُحرزه
    إن السراب كما تدريه ل  ماع
    فَ ّ ك  ر بموتك في أرضٍ نشأ َ ت بها
    واتر  ك لقبرك أرضاً طولُها باع
    وقد التفت إبراهيم مرات عديدة في شعره، إلى هذه الناحية، وحين نشرت الصحف أن زعيم
    قد أنذر إنكلتره بالصيام مدى الحياة، ما لم تُغير خطتها السياسية في الهند، راح « غاندي » الهند
    إبراهيم يغمز ويقارن بين زعيم هنا.. وزعيم هناك:
    عسى يفيد صيام  ه « غندي » حبذا لو يصوم منا زعيم مٌثل
    لا يص  م عن طعامه.. في فلسطي ن، يموت الزعيم لولا طعامه
    ليص  م عن مبيعه الأرض يحف ْ ظ بقعةً تستريح فيها عظامه !
    وهو في رثائه للمغفور له الملك فيصل، يضرب على هذا الوتر نفسه، مشيراً إلى استقبال
    الجثمان الطاهر في فلسطين:
    ما الذي أعددت من طيب القرى
    يا فلسطين لضيف معجِلِ
    لا أرى أرضاً نلاقيه بها..
    قد أضاع الأرض بيع ال  سفَّل
    فاستري وجهك لا يلمح على
    صفحتيه الخزي فوق الخجل.!
    ولم يكن ليدع مناسبة تمر، دون أن يشير إلى هذا الداء العضال، الذي بليت به فلسطين. ولشد
    ما صب نقمته على تلك العصبة الحقيرة، عصبة السماسرة، التي يقوم على يديها ضياع البلاد:
    أ  ما سماسرةُ البلاد فعصبةٌ
    عار على أهل البلاد بقاؤها
    إبليس أعلن صاغراً إفلاسه
    لما تَحّق َ ق عنده إغراؤها

    ٢٥
    يتن  عمون مك  رمين.. كأنما
    لنعيمهم ع  م البلاد شقاؤها
    هم أهلُ نجدتها.. وإن أنكرَتهم
    وهم- وأنفُك راغم- زعماؤهما..
    ولكم كانت تروعه تلك الحزبية التي يضطرم وقودها في البلاد، فلا ينتج منها إلا تفكك الأمة
    وشقاقها، وفي ذلك ما فيه من إعاقة السير نحو الهدف الواحد:
    وطني، أخاف عليك قوماً أصبحوا
    يتساءلون: منِ الزعيم الأليقُ؟
    لا تفتحوا باب الشقاق فإنه
    باب على سود الحوادث مغلَق
    واللهِ لا يرجى الخلاص وأمركم
    فوضى، وشملُ العاملين مم  زق
    ولطالما نقد أصحاب الأحزاب في شعره وندد بهم، لا يخص فريقاً دون فريق، وإنما يوجه
    القول إليهم جميعاً:
    ما لكم بعضكم يم  زق بعضاً
    أفرغتم من العدو اللدود ؟
    اذهبوا في البلاد طولاً وعرضاً
    وانظروا ما لخصمكم من جهود..
    والمسوا باليدين صرحاً منيعاً..
    شاد أركاَنه بعزمٍ وطيد!
    كلُّ هذا استفاده بين فوضى
    وشقاق، وذّلة، وهجود..
    واشتغالٍ بالت  رهات، وح  ب ال ْ ذ
    ذات.. عن نافعٍ عميم مجيد

    ٢٦
    شهد اللهُ أ  ن تلك حياةٌ
    فُ  ضلت فوقها حياةُ العبيد
    وما كان أنكأ لقلب إبراهيم من خمود العزائم في حاملي عبء القضية الوطنية ووقوفهم عند
    لا يتعدونها إلى غيرها من الأعمال المجدية، انظر إليه ،« الاحتجاجات » و « البيانات » تقديم
    يخاطبهم متهكماً:
    للوطنيه.. « المخلصون »  أنتم
    أنتم الحاملون عبء القضيه..
    أنتم العاملون من غير قولٍ..
    بارك اللهُ في الزنود القويه..
    منكم يعادل جيشاً « بيان » و
    بمعدات زحفه الحربيه..
    منكم يرد علينا « اجتماع » و
    غابر المجد من فتوح أميه..
    غير أنا ..« أفضالكم » ما جحدنا
    لم تزل في نفوسنا أمنيه
    في يدينا بقيةٌ من بلاد..
    فاستريحوا كي لا تطير البقيه
    وبذلاقة ورشاقة، كان إبراهيم يتغلغل بقلمه إلى صميم الأشياء فيزيح عنها الستر ويبين ما خفي
    التي كان « لمظاهر العبث » وراءها من حقائق مرة، ويا لها من مرارة يرسلها في شعره متألماً
    يراها تغلب على ميول الأمة:
    أمامك أيها العرب  ي يوم
    تشيب لهوله سود النواصي
    وأن َ ت كما عهدتُك.. لا تبالي
    بغير مظاهرِ العبث الرخاصِ
    مصيرك بات يلمسه الأداني
    وسار حديثُه بين الأقاصي
    فلا رحب القصورِ غداً بباق

    ٢٧
    لساكنها، ولا ضيقُ الخصاص
    لنا خصمان، ذو ح  ولٍ و َ ط  ولٍ
    وآخر ذو احتيالٍ واقتناص
    تواص  وا بينهم.. فأتى وبالاً
    وإذلالاً لنا ذاك التواصي
    مناهج للإبادة.. واضحاتٌ
    وبالحسنى تُنفَّذ، والرصاص..
    وأما وعد بلفور، وأما هجرة اليهود إلى هذا الوطن المنكود، فلم يبرحا مجالاً لقولٍ ذا سعة في
    شعر إبراهيم، وهدفاً يرمي إليه، ويحوم حواليه.
    وهكذا، ترى شعره الوطني شعراً يحمل طابعاً فلسطينياً خاصاً، كان حتماً أن تطبعه به أحوال
    البلاد المضطربة في هذا العهد المظلم من عهود فلسطين، وما كان إبراهيم ليفوز بلقب شاعر
    الوطن، وشاعر فلسطين لو لم يسجل قضية بلاده في شعره القوي، الذي يمتاز بذلك الطابع
    الفلسطيني الخاص.. ولو لم تنعكس في ذلك الشعر أصدق صورة لهذا الوطن في هذا العهد..
    تأسست إذاعة القدس سنة ١٩٣٦ ، ووقع الاختيار على إبراهيم ليكون مراقباً للقسم العربي
    فيها، فاحتضن هذا القسم، ولفه تحت جناحيه، وتعهده بعنايته مدة أربع سنوات.
    من إحدى أسر نابلس، فاتجه إليها قلبه، » بسامية عبدالهادي » وفي سنة ١٩٣٧ تعرف إبراهيم
    وهناك استقر؟ فأصبحت شريكة حياته، وعاش هانئاً في بيته، سعيداً بعاطفة جديدة مقدسة هي
    ». عريب » ثم ولدت « جعفر » عاطفة الأبوة، إذ ولد له
    أقبل إبراهيم على عمله في الإذاعة بكل قلبه، إذ كان مثل هذا العمل يوافق ذوقه ويمشي مع
    ميوله، ولم تمض مدة يسيرة على إشرافه على البرامج العربية، حتى كانت تلك البرامج مرآة
    ينعكس عليها ذوق هذه البلاد، وآراء أهلها العرب، وكان أكبر همه أن تكون الأحاديث قريبة
    من مستوى العقول على اختلاف طبقاتها، لا سيما الأحاديث الأخلاقية، فكان يصل إلى هذا
    الغرض التهذيبي بطريقة لا يشك في نجاحها، وهي طرق هذه الموضوعات من نواحٍ ثلاث:
    الآية القرآنية، الحديث الشريف، المثل المشهور. ولكل من هذه النواحي أثرها البعيد في
    العقليات المختلفة لأهل المدن والقرى على السواء، لما لها من علاقة ماسة بالحياة الاجتماعية.
    ولقد كان لإبراهيم في الإذاعة أحاديث أدبية كثيرة، أضف إلى ذلك قصصاً وروايات تمثيلية،

    ٢٨
    أشواق » كان يصنعها بنفسه، وأناشيد، منها ما كان ينظمه لبعض البرامج الخاصة، كنشيد
    والنشيد الذي وضعه في رثاء المغفور له الملك غازي، ومنها ما كان ينظمه لأحاديث « الحجاز
    الأطفال.
    لم تكن الوظيفة لتقعد بإبراهيم عن تقديم رسالته إلى هذا الوطن الذي تفانى في حبه، وجمع له
    هم قلبه، ولئن كانت قد اعترضت لهاة بلبل الوطن الغريد، وحالت دون تسلسل أغانيه الوطنية
    الشجية، التي طالما أيقظت القلوب النائمة، وألهبت النفوس الهامدة، فلم تكن لتستطيع، أن تحول
    دون حبه لهذا الوطن، وبذله أقصى مجهوده لخدمة أمته عن طريق الإذاعة.
    ولعل من أهم ما قام به هناك، تصديه لفئة غير عربية.. كانت تسعى سعيها لتنشيط اللغة
    العامية، وجعلها اللغة الغالبة على الأحاديث العربية المذاعة.. وكانت حجتها في ذلك، أن
    الإذاعة لا يمكنها أن تحقق الغرض الذي هدفت إليه، وهو نفع الطبقة المتوسطة، إذا جرت
    على استعمال اللغة الفصحى.. لأن هذه الطبقة من أهل المدن والفلاحين، لا تُحسن اللغة
    « القديمة » الفصحى، على حد تعبير أصحاب القول بتنشيط اللغة العامية، ولا تفهم اللغة العربية
    التي جرى عليها المذياع..!
    وقف إبراهيم وقفة حازمة أمام هذا الرأي، ونقضه يومئذ بحجج دامغة، أظهرهم فيها على أن
    المذياع لم يجر على اللغة العربية القديمة، وأنه ليس في بلاد العرب من يعرف هذه اللغة
    بالمعنى الذي قصده أصحاب القول باللغة العامية، غير أفراد متخصصين، وهي عندنا لغة
    الجاهلية التي قضى عليها القرآن بأسلوبه الجديد المبتدع، وأن عندنا اليوم لغة عربية صحيحة،
    يصطنعها المؤلفون ومحررو الجرائد، ويفهمها المتعلم والأمي على السواء.. وأن الفلاحين،
    وجلهم من الأميين، لتقرأ عليهم الجريدة، فيناقشون القارئ في افتتاحيتها، ولا يعقل أن يناقش
    المرء في شيء لم يفهمه، هذا وإن العرب، مسلمين ومسيحيين، يدينون بالقومية، وهذا مشروع
    غايته القضاء على اللغة العربية، وهي عندنا كل ما بقي من ذلك التراث الطويل العريض
    الذي اجتمع لنا من الفتوحات والحضارات والعلوم والآداب والفنون.. فما من عاقل اليوم،
    يعرف قدر نفسه ويعتز بعربيته، يرضى عن العبث بهذا التراث الباقي، والقضاء عليه بيده..
    بهذه الصراحة التي عرفت لإبراهيم في كل موقف ذي خطر، هزمت تلك الفئة التي اعترفت
    على أثر ذلك، بأن إبراهيم يحتاج إلى جلسات أخرى، لتُزعزع أركان عقيدته في لغته..
    وأستغفر الله، وحاشا لإبراهيم..ولشد ما لقي من صعوبات أثناء عمله، إذ كانت فلسطين خلال السنوات الأربع التي خدم فيها
    في الإذاعة، في ظرف دقيق جداً، ففي السنوات الثلاث الأولى، كانت الثورة في فلسطين قائمة
    على ساقها، وفي السنة الرابعة، كانت الحرب العالمية الأخيرة.
    أما الصعوبات التي لقيها في عمله أثناء الثورة، فتنحصر في ذلك الشغب الذي كان يدور حوله
    من قبل بعض الجهات اليهودية، ووقوفها له بالمرصاد في كل ما يذيعه من أحاديث، أو ما
    يذيعه غيره من المحدثين العرب، فكانت تلك الجهات اليهودية تُخ  رج كل ما يقال تخريجاً
    سياسياً، وتُش ّ كل من القصة ذات اللغة البسيطة، والوضع المحكم، شعوباً ودولاً، وحكومات
    وانتدابات.. ولم تكن لترى في الأحاديث الأخلاقية، إلا تحريضاً تحت قناع ديني.. وأما الدعاية
    فقد كانت في رأيها مبثوثة في الموضوعات التاريخية!. زد على ذلك، قول تلك الجهات
    اليهودية بأن الأحاديث النبوية، والأمثال المشهورة التي تقدم في الإذاعة، فيها الخطر كل
    الخطر!. إذ يطلب فيها من الأمهات أن ين ّ شئوا أطفالهم بعضلات قوية، ومنشأ الخطر على
    زعمها هو أن تلك التنشئة القوية، إنما يقصد من ورائها المقدرة في المستقبل على المقاومة.
    وعن الطريق الأقصر، فالبرنامج العربي الذي كان يشرف عليه إبراهيم مسخَّر للتحريض..
    كما كانت تقول الصحف اليهودية.
    وهكذا كانت تُوضع في الميزان جلّ أحاديث القسم العربي في الإذاعة، فيناقَش إبراهيم فيها،
    ويحاسب عليها، ولكنه كان يعرف كيف يقف أمام ذلك كله.
    وانتهت الثورة، وقامت الحرب العالمية الثانية، فكانت الرقابة على الصحف والنشر والإذاعة.
    ومن قبل بعض المشرفين عليها يومئذ، قامت الدعاية السيئة وقام التحريض ضد إبراهيم.
    « الاعتبار » التي اقتبسها إبراهيم من كتاب « جزاء الأمانة » أو « عقد اللؤلؤ » وكانت قصة
    لأسامة بن منقذ، وقدمها في المذياع في أحد برامج الأطفال، فأخذ الرقيب وعصبته تلك
    القصة، وخ  رجوها تخريجاً يكفل لهم استفزاز المستعمر.. فإذا بتلك القصة التي تشيد بالأمانة
    والوفاء تُشهر سلاحاً في وجه إبراهيم او بالأحرى في ظهره، من قبل من لا يعرف قيمة
    لمعنى الأمانة المقدس.
    تكاتفت جموع الشر على إبراهيم من هنا وهناك، فأُقيل من عمله في الأول من أكتوبر سنة
    .١٩٤٠
    وإذا كان بوسع أحد من الناس، أن يبيع ضميره، ويضرب بمبدأه وعقيدته عرض الحائط،
    فيظل هانئاً بعمله، قرير العين، فما كان بوسع إبراهيم أن يفعل ذلك، وهو الأبي النفس،

    ٣٠
    العيوف للاستخذاء والذل، وهو الذي كان يتحول عن الحظ السعيد يأتيه وفيه جرح لكبريائه
    وكرامته، أو خلاف لعقيدته، كما يتحول المؤمن الصادق عن وسوسة الشيطان.
    اشمأزت نفس إبراهيم، وعافت البقاء بين قوم لا خلاق لهم.. فآثر الرحيل عن وطنه الذي
    تفانى في حبه، وأذاب روحه في مناجاته، وعزم على الرحيل إلى العراق، بلد العروبة والعزة.
    وفي مساء اليوم الذي أقيل فيه إبراهيم من عمله، خ ّ ف صديقه أكرم بك الركابي إلى السيد
    طالب مشتاق، قنصل العراق في القدس يومئذ، وأطلعه على ما جرى لإبراهيم، وفي محادثة
    تلفونية من قبل السيد طالب، الصديق المحب، سجل اسم إبراهيم في وزارة المعارف في بغداد
    ليزاول مهنة التعليم في أحد معاهد العلم هناك، ولقد كان ذلك بسرعة، ودون أخذ ورد، إذ كان
    إبراهيم معروفاً لدى الأوساط الأدبية الرفيعة في العراق.
    ولقد لاقى من والده معارضة شديدة بشأن ذلك الرحيل، وإلحاحاً عليه بالبقاء عنده في نابلس،
    ولكن إبراهيم، على بره بوالده براً يفوق الوصف، وعلى تعلقه العجيب بوالديه وإخوته - ولقد
    كان هذا الب  ر وهذا التعلق من خلائق إبراهيم الممتازة - سافر إلى الع
    مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

    مُساهمة في الخميس أغسطس 30, 2012 1:20 pm من طرف ابوسيف العويسي

    جهد رائع الغالي حياك الله

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 09, 2016 5:34 pm